محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : ما يخاصم في حجج الله وأدلته على وحدانيته بالانكار لها ، إلا الذين جحدوا توحيده . وقوله : فلا يغررك تقلبهم في البلاد يقول جل ثناؤه : فلا يخدعك يا محمد تصرفهم في البلاد وبقاؤهم ومكثهم فيها ، مع كفرهم بربهم ، فتحسب أنهم إنما أمهلوا وتقلبوا ، فتصرفوا في البلاد مع كفرهم بالله ، ولم يعاجلوا بالنقمة والعذاب على كفرهم لأنهم على شئ من الحق فإنا لم نمهلهم لذلك ، ولكن ليبلغ الكتاب أجله ، ولتحق عليهم كلمة العذاب ، عذاب ربك ، كما : 23337 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فلا يغررك تقلبهم في البلاد أسفارهم فيها ، ومجيئهم وذهابهم . ثم قص على رسول الله ( ص ) قصص الأمم المكذبة رسلها ، وأخبره أنهم كانوا من جدالهم لرسله على مثل الذي عليه قومه الذين أرسل إليهم ، وإنه أحل بهم من نقمته عند بلوغهم أمدهم بعد إعذار رسله إليهم ، وإنذارهم بأسه ما قد ذكر في كتابه إعلاما منه بذلك نبيه ، أن سنته في قومه الذين سلكوا سبيل أولئك في تكذيبه وجداله سنته من إحلال نقمته بهم ، وسطوته بهم ، فقال تعالى ذكره : كذبت قبل قومك المكذبين لرسالتك إليهم رسولا ، المجادليك بالباطل قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهم الأمم الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم بالتكذيب لها ، كعاد وثمود ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين وأشباههم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 23338 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم قال : الكفار . وقوله : وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه يقول تعالى ذكره : وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذبة رسلها ، المتحزبة على أنبيائها ، برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه ، كما : 23339 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه : أي ليقتلوه ، وقيل برسولهم وقد قيل : كل أمة ، فوجهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ الأمة ، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله برسولها ، يعني برسول الأمة .